قراءة عاشقة.. في ديوان وجع النخيل للشاعر إدريس زايدي

2024-03-18

” ريف رس” 18 مارس 2024

بقلم الكاتب و الروائي: مولاي الحسن بنسيدي علي.

وأنا أتقلب ذات اليمين وذات الشمال والألم يعتصرني، أرتشف الدواء أقراصا وسوائلا، ولم يسعفني ذلك في تهدئة الأوجاع وأشعر أن كليتي تكاد تخرج من بين ثناياي فتذكرت نصيحة أحد زواري: إن اشتد بك الحال فاستعن بالله واقرأ، تحاملت على نفسي وقبعت على أريكتي بمكتبي وكأني على ميعاد مع شاعر طالما أحببت أخلاقه وأدبه في لفظه المسموع، ولكن لم تتح لي الفرصة أن قرأت له ديوانا، إلى أن بعث لي مضمومه الشعري.

  أمعنت النظر في عنوانه، ووضعت يدي عليه وكأني أصافحه، وأشد على يديه بحرارة ، وابتسمت من ألمي، إنه وجع النخيل، فقلت ـ لنفسي ـ أي وجع يصيب النخيل ؟ وبما أنني أنتسب إلى الصحراء من جهة الأب والأم انتماء حقيقيا، وأعرف النخل والجريد وأنواع التمر ومختلف ما قد تصاب به النخلة من داء، وأنواع الدواء المعالج لها. وكان سؤالي حافزا ودافعا لقراءة الديوان بيتا بيتا وشطرا شطرا، وأقف على معناه ومبناه. نسيت ألمي وما أنا عليه من حرج صحي وشعرت بدفء الكلمات ، منحتني قوة على الاستيعاب أكثر وأكثر، أذكر أنني نسيت أن أتناول غذائي وأغفلت أقراصي ودوائي، وشدتني روعة القصائد ، وقد جمعت بين ما هو مقفى على بحور الفراهيدي وما يخضع للتفعيلة ولنظام الأسطر. جلت معه في رحاب روضه العطر واستعدت أسماء شعراء كبار وأمكنة تاريخية وأزمنة الشعر الراقية.  فمن يكون  هذا الذي خفف عني وجعي بدواء وجع نخيل ؟

 ليس من السهل أن تخترق مضامين القصيدة وتفككها إلا إذا غصت في ذات الشاعر واستنطقته من خلال حروفه . كلماته كالزئبق إن لم تسايسه انفلت من بين يديك. أجدها كعقد ماس  إذا انفرطت حباته منه فمن الصعب لمها، فكنت حريصا عليها أهدهد الحروف والمعاني كما تهدهد الأم صغيرها حبا فيه. اخترقت الصمت في داخله، وأرخيت السمع إلى بوحه في قصيدته التي انفرد بعنوانها عذق التمر، وهو يهديها للشاعر المغربي محمد علي الرباوي :

واه ..واه                            

 كم يمشي فينا عذق التمر

إذا أسرير توهج أحمده

فأتانا منشرح الأوتار

يردد في الأشعار

مواجدنا كي لا ننسى

أن عليا شق دليل الماء

 وكنت على وجع الأنخاب

أعيد مشاربه فشربت

لأحيا منسدلا في الجمر

أقاسمه بعض الحر

وطريقي يلزمني أن اخلع نعلي

أقرأ في الصلوات مشيبي

أغنية أو مرثية أخرى

في موعدها النبرُ

تتلو “صاحبت الشعر فشيبي

هل شيب كل الشعراء ؟”

ألهذا قلتَ …؟

كم استوقفني شيب الشعراء

وكنتَ عليا

كنتُ …

       تأملت القصيدة مليا. استوقفني عنوانه “عذق التمر” . وحده يحمل أكثر من دلالة ، فلا بد أن يهدي الشاعر إلى المهدى له أجمل التعبير وأروعه ،ـ و إن كانت قد أهملت في الصياغة الشعرية ـ وهي لفظة عربية قحة، وقبل أن نشرح معناها عذق التمر، ندرج حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة أبي الدحداح المشهورة (كم من عذق لأبي الدحداح في الجنة ) ورددها مرارا.

وقد جرت الكلمة استعمالا على لسان العرب في شعرهم وأمثالهم وحديثهم ومنها : قال كعب بن زهير يصف ناقته :

تنجو ويقطر ضفراها على عذق ++ كالجذع شذب عنه عاذق سعفا

ووقفنا عليها في أكثر من شرح في لسان العرب وفي المعاجم العربية ، ونورد منه ما يخدم النص :

ففي معجم اللغة العربية المعاصر :

عذق : لبق ماهر

عذق: طيب الرائحة

وفي المعجم الرائد :

 العذق: اللبق الحذق بما عمل

 العذق: ذكي الريح

وفي المعجم الوسيط :

 العذق : النخلة بحملها

وفي الحديث الشريف : “لا والذي أخرج العذق من الجريمة ” أي النخلة من النواة، والجمع عذاق     وأعذاق

وفي المعجم الوسيط :

العذق، كل غصن له شعب، والعذق قنو النخلة، والعذق عنقود العنب او إذا أكل ما عليه، والجمع أعذاقا وعذوق، والعذق العز يقال : في بني فلان عذق كهل أي عز قد بلغ غايته.

 وارتبط العذق هنا بالتمر والمقصود به النخلة لمكانتها، وقد وردت في النخلة تعاريف كثيرة نقتصر على مقتطف منها:

 شجرة النخيل من الأشجار المعمرة والتي تتميز بساق طويلة وغليظة، وقد يصل طولها لثلاثين مترا ، ويكثر زراعتها في العديد من الدول كالعراق وشبه الجزيرة العربية والمغرب العربي وهي شجرة مباركة ذكرها الله في القران بصيغة الجمع والمفرد بقوله تعالى : (نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية) سورة الأنعام الآية 99 ،وقوله تعالى (وهو الذي انشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله) .سورة الأنعام الآية 141 وقوله تعالى(واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففنا بنخل وجعلنا بينهما زرعا )سورة الكهف الآية  32 ، وقوله تعالى (فجاءها المخاض إلى جدع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا )سورة مريم الآية 23

وهناك آيات كثيرة ذكر فيها النخل في آيات سور عديدة، منها  الآية 25 من سورة مريم، وفي سورة طه الآية 71، وفي سورة الشعراء الآية 148، وفي سورة  ق الآية 10، وفي سورة القمر الآية 20، وفي سورة الرحمان الآية 11، وفي الآية 68 من نفس السورة ،وفي سورة الحاقة الآية 7، وفي سورة عبس الآية 29، وقد جاء ذكر النخل بلفظ الجمع النخيل في سورة الرعد الآية 4، وفي سورة النحل الآية 11، وفي سورة النحل الآية 67، وفي سورة الإسراء الآية 91، وفي سورة المؤمنون الآية 19، وفي سورة يس الآية 34 ، وفي سورة البقرة الآية 266

     وجاء ذكر النخل بلفظ “اللينة” في هذا الموضوع ، بقوله عز من قائل:”(.. قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ) سورة الحشر الآية 5

     إن وقوفنا على التعريف بالعنوان لم يكن مجانيا أو من باب الإطناب أو مجانبا للصواب، وإنما لنؤكد على أننا أمام شاعر يرسم معناه قبل أن يركبه ويصوغه في قالبه الشعري، ولنبرز مقدرة الشاعر على توظيف المعجم اللغوي الذي يزخر به ديوانه، وسنظهر ذلك من خلال تعرضنا للصور الشعرية والخصائص الفنية فيه، فقد وجدت بهذه القصيدة مفردات كادت تنعدم لقلة استعمالها، فارتأيت أن أبسط بعضها لتأخذ مكانها من طرف المهتمين بالشعر يقول الشاعر إدريس زايدي في قصيدته عذق التمر:

أقرأ في صلواتي مشيبي

أغنية أو مرثية أخرى

في موعدها النبرُ

فما معنى النبرُ؟ وهل كان استعمالها صحيحا داخل النص؟

جاء في الموسوعة الحرة ويكيبيديا:

النبرُ: في علم الصوتيات أو تجويد القرآن ظاهرة صوتية دقيقة تهدف إلى إبراز الصوت على مقطع من الكلمة. وهو أشيع في اللغات الغربية منه في العربية، لا يغير النبر المعنى لكنه قد يساعد السامع على الفهم، وتعريف النبر في معجم المعاني الجامع ـ نبر ينبر نبرا نابر والمفعول منبور، نبر الشيء رفعه ونبر الولد ترعرع  ونبر: زجر. نبر الطعنه: اختلسها  ونبر الحرف: لفظه في قوة أعظم..

   اشتمل ديوان وجع النخيل على كثير من الألفاظ الجميلة والتي أراد الشاعر أن يرجع تداولها، وحبذا لو أن ـ شواعر وشعراء النسخ واللصق ومستعملي الكلمات المتقاطعة ـ أن ينهلوا من معين اللغة العربية.

     فالشاعر إدريس زايدي واحد ممن طوع المصطلح الشعري اعتبارا لتمرسه واشتغاله على اللغة، وكيف لا وتخصصه أدبي تدريسا ودراسة ، وقد نهل من معين الأدب العربي  قديمه وحديثة وتأثر به وتشبع فكره من الموروث الثقافي والحضاري والتاريخي، ناهلا من كتاب الله، موظفا آياته ومعانيه، يقول في الصفحة الرابعة من ديوانه وجع النخيل:

  ما كتبت الشعر لأشقى

 بتناص مع الآية الأولى من سورة طه” ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى “

وفي نفس العبارة قوله:

 ولكن عذاب الحرف شديد

 يتناص مع الآية الكريمة في سورة الحج ” ولكن عذاب الله شديد”.

والشق الثالث من العبارة يقول:

 فلولا ثلاث هن من شيمي لعدلت عن الكلام

فنجد لها تناصا مع قول الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد في أبيات له هي أشهر من نار على علم :

ولولا ثلاث هن من شيم الـــفتــــى ++ وحقك لم أحفل متى قـــام عودي

فمنهن سبق العـاذلات بــــشربـــــة ++ كميت متــــى تعل بـــالماء تزبـد

وكري إذا نادى المضــــاف محنبـا ++ كسيد الغضا الطخيـــــة المتورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ++ ببهكنة تحت الخبــــاء المعــــمد 

وفي الصفحة  44 في قصيدة مساءات عربي يقول الشاعر ادريس زايدي:

الأرض عدو

 والماء عدو

 طارق يعبر أحزاني بالإحراق

 ويمضي بلا سفن

 يتناص مع التراث التاريخي للمغرب في قصة طارق بن زياد الذي فتح الأندلس، والتناص هنا يحمل عدة أشكال، حيث نجده مع القولة المأثورة لطارق بن زياد وهو يخاطب جنوده قائلا ” البحر وراءكم والعدو أمامكم  ” حيث نلاحظ تحويرا للمعنى وإبقاء على صيغته الإيقاعية التي نسميها التوازي التركيبي وهو ما يعرف عند علماء البلاغة والبديع بأنه تشابه وتساوي الملفوظات في شكلها وصيغها، ويوجد شكل آخر من التناص على مستوى كتب التاريخ  يتجلى في حادثة إحراق طارق بن زياد للسفن حتى لا يطمع جنوده في العودة أو الإدبار ، وهذا ما نجده في الأبيات أعلاه  .وفي الصفحة 52 قصيدة بعنوان “هبي بصحنك مكناس” حيث يقول في بدايتها:

أرقت

فهبي بصحنك مكناس

   فالملاحظ أن الشاعر في هذا التناص يذكرنا بقول الشاعر الجاهلي المعروف صاحب المعلقة المشهورة عمرو بن كلثوم الذي يقول في بداية قصيدته :ألا هبي بصحنك فاصبحينا ++  ولا تبقي خمور الأندرينا

 مشعشعة كأن الحص فيهــا ++ إذا ما الماء خالطها سخينا

إلى أن ينتقل بعد ذلك إلى غرض آخر مهددا الملك عمرو بن هند الذي أهان أم الشاعر في الحادثة المشهورة التي يريد من خلالها إهانة الشاعر نفسه،  فيرد عليه هذا الأخير قائلا :

أبا هند فلا تعجل علينا ++ وانظـــرنا نخبرك اليقيـــــنا

 بأنا نورد الرايات بيضا ++ ونصدرهن حمرا قد روينا

وهناك نوع آخر من التناص مع الواقع العربي الموسوم بالهزيمة والتخلف ،ومن نماذجه قصيدة “وجه بابل”  الصفحة 68 يقول:

يطاردني وجه بابل ..

فالتناص هنا يتم من خلال توظيف الرمز التاريخي إذ يكون عميق الدلالة في الصفحة 77 يقول:

على صهوة ابن زياد

ورائي البحر

أماميَ جورٌ

 فأين أقيم إذا عبرت؟

في هذا يستحضر واقعة الأندلس والعبارة المشهورة لطارق بن زياد والتي سبقت الإشارة إليها. وفي الصفحة 106 في القصيدة المعنونة ب” دم كذب” يظهر التناص مع الآية الكريمة في سورة يوسف إذ يقول  تعالى : (وجاءوا على قميصه بدم كذب)

وينهي الشاعر هذه القصيدة بما يلي في الصفحة 108

                      أقايض القميص عميلا

 عليه دم كذب .

 يقال إن الحلو لا يشبع منه وما نزال نرتشف جرته عسلا سائغا شرابه، ومن أجل تقريب صور الشاعر إدريس زايدي للقارئ ، لابد أن نركب قاربه لنمخر عباب موج بحوره الشعرية.  فالشاعر إدريس زايدي يكتب شعرا موزونا على نمط قصيدة التفعيلة، وبهذا يمكننا أن نقول عنه إنه شاعر حقيقي ملم بقواعد الشعر العربي ونظامه الإيقاعي الذي نجده في هذا النوع من الشعر المبني على نظام التفعيلة الواحدة، وهو مستوعب أيضا للتغييرات ومجمل التطورات التي مست هذه البنية الإيقاعية وشكلها العروضي الذي استقرت عليه، وكيف استعمل هذا النظام الإيقاعي الجديد في الشعر العربي الحديث من طرف المشارقة والمغاربة على السواء.

يقول الدكتور نور الدين أعراب الطريسي في مؤلفه “متخيل المنفى في الشعر العربي الحديث ” في الصفحة 35 :لم يظهر الشكل  الفني الجديد في الشعر إلا بعد أن استنفذ الشكل القديم كل مخزونه من العطاء والنمو، فالإبداع لا يقتات على مخزون الماضي من التقنيات والآليات والوسائل :” جدير بنا أن نتذكر أن الشكل الجديد لم ينشأ إلا استجابة لمضامين جديدة حاشت في صدور الجيل العربي الصاعد من الشباب والشابات، ودارت في عقولهم، فدفعتهم دفعا إلى صنع هذا الشكل، المزية الأولى والأخيرة للشكل الجديد هي ـ إذا ـ في مدى مطاوعته لتلم المضامين الجديدة، وانسجامه معها، وصلاحيته للتعبير عنها حين ضاق عنها الشكل القديم” .

       إن الشاعر إدريس زايدي أبدع في قصيدة التفعيلة وأدخل عليها تجديدا جديدا سوف نبينه في ختام هذه القراءة، وخالف روادها فلم يلبس عباءة الماضي بل احتفظ بها ولم يفرط فيها، يلبسها حين يشتاق إليها فقط  ولم يساير شعراء جيله ممن استعصت عليهم القصيدة التقليدية فراحوا يخبطون في كل النواحي. فالشاعر طور تركيبة الأوزان في قصيدة التفعيلة، حسب رأيينا، وقبل شرح ذلك، أقتبس فقرة للدكتور عبد الله شريق من مؤلفه ” في شعرية قصيدة النثر” الصفحة 24 تحت عنوان الشكل الجديد / أو شكل الشعر الحر إذ يقول : “تبلور هذا الشكل انطلاقا من وعي فني جديد دعا إلى التحرر من ثوابت الشكل التقليدي وإحداث تغييرات جذرية فنية ، واقتراح بدائل جديدة على مستوى اشتغال اللغة والإيقاع والصورة الشعرية لبناء شكل شعري جديد يستجيب لمتطلبات التحولات الحضارية والثقافية والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ الأربعينيات من القرن العشرين. وقد ظهر هذا الوعي التجديدي بالمغرب في البداية ـ أواخر الخمسينيات ـ بسيطا ومحدودا ثم نما واتسع وانتشر تدريجيا ليحدث تحولات هامة في طبيعة الشعر ووظيفته، وليبلور رؤى وتجارب شعرية متنوعة ” انتهى.

 فالشاعر إدريس زايدي سار على هذا النهج وعمل عليه بل طوره على مستوى المواضيع والبناء الفني والجمالي، فنلاحظ على سبيل المثال النظام الإيقاعي في أول قصائد الديوان (حساء) حيث يقول :

 شاق ذا القلب نخل ، فما أوجعه

 فبه عاشق يشتكي أدمعه

 فاعلن فاعلن

فاعلن فاعلن

 فعلن فاعلن

فاعلن فاعلن

فهي قصيدة على وزن المتدارك ،  وهو من البحور التي أكثر الشعراء المحدثون من النظم عليها. والملاحظ أن الشاعر يستعمل هذه التفعيلة (فاعلن ) بنفس العدد في جميع الأسطر الشعرية إضافة إلى حفاظه على نفس القافية ونفس الروي. وهذا ما يجعلها قصيدة قريبة من الشكل العمودي،  وإن كانت على التفعيلة الواحدة، ولا يكتفي الشاعر بهذا التجديد العروضي فقط، بل إننا نجده يستفيد من كل الإمكانات  التي يتيحها له الشكل الجديد للبنية الإيقاعية، موظفا نمطا آخر طالما وظفه شعراء التفعيلة ألا وهو المزج بين الأوزان والبحور الصافية، فنجده في القصيدة الثانية (صهيل نخلة ) يمزج بين تفعيلات وزن المتدارك وتفعيلات وزن المتقارب (فعولن فعولن ..) وهذا ما تعرض إليه فضيلة الدكتور نورالدين اعراب الطريسي بتفصيل دقيق في مداخلة حوارية بإذاعة مكناس مع الاعلامي عبد الله بلغيتي  ٱثرناعرضه في سياق هذه القراءة لأهميته، ويضيف  نلاحظ مثلا بداية هذه القصيدة :

          المشارق ترتعش (فاعلن فعلن فعلن )

          تعيد خريطة نخلتنا ىفي سكون ( فعول فعول فعول فعولن فعول)

         حيث انتقل الشاعر مباشرة في السطر الثاني من المتدارك إلى المتقارب مستفيدا من هذا التداخل الموجود بين تفعيلتي الوزنين حيث فعولن ما هي إلا الوجه الآخر لفاعلن  (وتد مجموع + سبب خفيف / سبب خفيف + وتد مجموع )  وأضف إلى ذلك كله تنويع الشاعر لعدد التفعيلات من سطر لآخر  .والثورة على العدد الثابت منها على عكس ما هو معهود في الشعر العمودي، ثم توظيف الزحافات المعهودة بالطريقة نفسها الموجودة في الشعر العربي الحديث حيث تصير فاعلن / فعلن ونسميه زحاف الخبن ، كما يوظف الشاعر تفعيلات بحر الكامل :

            سقطت يدي تذرو الجدار     

            وباب حارسه المدار تعاتب الذكرى

            متفاعلن متفاعلن

           متفاعلن متفاعلن متفاعلن…

     ونلاحظ ظاهرة التدوير هنا وهي من الظواهر العروضية المعروفة. “انتهى”

       أما بالنسبة للصور الشعرية فالملاحظ أن الشاعر يعتمد أساسا على الاستعارة التي هي أساس الصورة في قصيدة التفعيلة ومن النماذج ( رعشة الغيم / لآن فيه العناق /  رجع الصدى / يطرده الشجر / كي يورق الحزن / المساء شريد الخطى ……)إضافة الى التشبيه من نماذجه كنت مثل كمان / جفا موقعه / مثل عاصف ريح / رمى مجمعه / القوافي تسامت كطير الربى / كالفراش إذا ما علا / كالقصيد يحن إلى صحبه ..

   ولم أك سباقا للكتابة عن الشاعر إدريس زايدي وإنما تناول كتاباته عدد من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بجمال حرفه وأعماله،  نورد بعضا مما قيل في حقه يقول فضيلة الدكتور مصطفى الشاوي في مقال منشور بجريدة في رحاب الجامعة العدد 33  سنة 2016 تحت عنوان ” تجليات الرؤى بين الانشطار والانتظار في ديوان وجع النخيل” للشاعر إدريس زايدي، جاء فيه: ” إن وجع النخيل للشاعر إدريس زايدي قصائدها المتألقة، عوالم الشوق وقصائد موجعة، يصدر عن ذات متشظية وعن وعي شقي ، ذات ترنو نحو تأثيث رؤى فكرية عميقة وتسبر أغوار اللحظة الشعرية وتجليات عوالمها المتوهجة ، وآفاق تمثلاتها الواعدة ومباهج قصائدها المتوهجة ، عوالم الشوق والتوق والحنين وهي ولا ريب نصوص تكشف من خلال جعل مكوناتها الفنية ومستوياتها التعبيرية عن شاعر متمكن من أدوات الكتابة الشعرية ومتشبع بمقومات القصيدة العربية في أبهى تجليات نماذجها الراقية بشكلها العمودي والتفعيلي، ومكتسب لذخيرة شعرية واسعة مكنته وتمكنه من إحكام لجام القصيدة ، وإذا ما فرت كمهرة جامحة يناديها فتطاوعه وتستجيب له وفي سبيل ذلك يشقى شقاء جميلا “.

ويقول  فضيلة الدكتور عبد الكريم الرحيوي في مقال له بجريد العلم الثقافي بتاريخ 10مايو 2016: ” إدريس زايدي صوتٌ شعري مغربي رائد، ذو بصمة جينية خاصة، تملَّأَتْ حياضُه حُروفاً ومعانيَ فتدفَّقَتْ سيولاً جارفةً، حَرَّى ملتهبةً يعتصرها وَجَعُ المخاضِ، مُخَلَّقَةً وغيرَ مُخَلَّقَةٍ، تسيرُ المخلَّقة في الناسِ مَسْرى الأمثال، وتَخضع الأخرى للهدم والبناء بصبرٍ وتأنٍّ، يعتصرُها الشاعرُ تارةً وتعتصرُهُ تاراتٍ قبلَ أن تستويَ في خَلْقٍ جديد “.

      إنه يقبل بوجع غيره فيقتسمه معه ولا يوزع ألمه على غيره يكابد في صمت وإن حن إلى البوح يفرغ مداد قلمه على ورقه فيخط عليها قصيدة تصرخ من شدة الوجع. ويضيف الدكتور عبد الكريم الرحيوي في نفس المرجع أعلاه  : ” حينما رسم القُدامى حدودَ الشعرَ كان الوزنُ أعظمَ أركانه وأولاها، وكان الشعراءُ مُلِمّين إلماما كبيرا بمقومات الإيقاع ودعائم التنغيم، وبالمستحب والمكروه مما يعترض الأوزان من الضرائر. الشاعر إدريس زايدي واعٍ تمام الوعي بهذه القضايا التي تضيِّق الخناق على الشاعر وتعتصره اعتصارا، وكيف لا وهو المهووس بفروسية عنترة وبكائيات ابن زيدون.. “

       فلولا ما أنا عليه من ظروف صحية ومكابدتي للألم لما نزلت من سفينة الإبحار الشعري ولرافقت وجع النخيل الذي كان مسكنا لآلامي وأوجاعي ، ومن حسن الصدف أن يلتقي ميلادي بميلاده فتكون سنة 1959 قاسما مشتركا بيني وبينه فهو أستاذ اللغة العربية، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في الأدب المغربي. له مشاركات ثقافية وطنيا ودوليا وعدة دراسات نقدية وأدبية منشورة. وخير ما أنهي به هذه القراءة العاشقة في ديوان وجع النخيل قصيدة الشاعر إدريس زايدي تحت عنوان ” وشم على هام الأطلس ” يقول :

وشم يسري

وكعادته لا يسأل

يبحث عن دمه المغدور

ففي كتب السير الأولى

يكتب ملحمة

في بسمتها الفجر

في صفحنها الكون

لكن دم الأحراش تحاصره

قال الوثن :

مر القمر

الشمس

الريح

النظر

والوشم على كتفي

مسجي اسكنه

يغريه النحت على حجر

منفيُّ الألوان الإلحان

لا يعرفه أحد

لايعرفه دمه

فإذا الأنواء

على شفتي التاريخ

يسعدني فيه الغور

لا يغسلني منه النهر

وأنا في محبرة

وشم يجري

تاريخ الأطلس يعقله

أن أنكره

فبأي مداد كانت تحكي عاشقة

سلكت في النجم سما

ورمت في الأطلس عشقا

كان الفجر يرتبه .

 لقد كان سفري مع الشاعر ادريس زايدي ممتعا طفنا أزمنة وأمكنة ، جالسْنا أدباء وشعراء وقادة ودخلنا قصورا وأحراشا، وآمل في السفر القادم أن يكون معنا القارئ الحصيف والمهتم بتتبع الرواد لنركب معا السفينة الأدبية للربان والرائد ادريس زايدي.

للإشارة:

مراجعة الأوزان والتدقيق اللغوي الدكتور نورالدين أعراب الطريسي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *